محمد جمال الدين القاسمي

205

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كَمَثَلِ صَفْوانٍ وهو حجر أملس عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ أي مطر كثير فَتَرَكَهُ صَلْداً أي أجرد لا شيء عليه لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا أي المرائي والمانّ والمؤذي ، لا يقدرون على تحصيل شيء من ثواب ما عملوا لبطلانه . كقوله : فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] . فلا يجدون ثواب صدقاتهم كما لا يوجد على الصفا التراب بعد ما أصابه الوابل وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إلى الخير والرشاد . وفيه تعريض بأن الرياء والمنّ والأذى على الإنفاق من صفات الكفار . ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها . وقد ورد في وعيد المنّ بالصدقة أحاديث متوافرة . ففي صحيح مسلم « 1 » عن أبي ذر قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ثلاثة لا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : المنان بما أعطى والمسبل إزاره والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب » . وفي سنن النسائيّ « 2 » عن ابن عمر عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاقّ لوالديه ولا منان » . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 265 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 ) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ مفعول له وَتَثْبِيتاً معطوف عليه . ويجوز أن يكونا حالين . أي مبتغين ومتثبتين مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال أبو البقاء : يجوز أن يكون ( من ) بمعنى اللام أي تثبيتا لأنفسهم . كما تقول : فعلت ذلك كسرا من شهوتي ، ويجوز أن تكون على أصلها أي تثبيتا صادرا من أنفسهم . والتثبيت مصدر فعل متعد . فعلى الوجه الأول يكون مِنْ أَنْفُسِهِمْ مفعول المصدر . وعلى

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 171 ونصه : عن أبي ذر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال « ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم » قال فقرأها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ثلاث مرار . قال أبو ذر : خابوا وخسروا . من هم يا رسول الله ؟ قال : « المسبل والمنّان والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب » . ( 2 ) أخرجه النسائي في : الزكاة ، 69 - باب المنان بما أعطى : ونصه : عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم « ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة : العاقّ لوالديه ، والمرأة المترجلة ، والدّيّوث . وثلاثة لا يدخلون الجنة : العاق لوالديه ، والمدمن على الخمر ، والمنان بما أعطى » .